الذهبي
194
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام
العماد ومعه ابن أخته عبد اللَّه بن عمر بن أبي بكر ، والشهاب محمد بن خلف ، فسمعت بالموصل على خطيبها « جزءا » . ثمّ دخلت بغداد وقد مات الشيخ عليّ البطائحيّ فحزنت كثيرا ، لأنّني كنت أريد أن أقرأ عليه الختمة . ثمّ سمعنا الحديث ، فأوّل جزء كتبته « جزء » من حديث مالك على شهدة ولم ندرك أعلى سندا منها ، وسمعنا عليها « معاني القرآن » للزجّاج ، و « مصارع العشّاق » للسّرّاج ، و « موطّأ » القعنبيّ . وسمعت على عبد الحقّ بن يوسف كثيرا ، وكان من بيت الحديث فإنّه روى عن أبيه ، عن أبيه ، عن أبيه ، وكان صالحا فقيرا ، وكان عسرا في السّماع جدّا . وسمعنا عليه « الإبانة » للسّجزيّ بقراءة الحافظ عبد الغنيّ ، ومرضت ففاتني مجلس ، وكان يمشي معي من بيته إلى مكّيّ الغرّاد فيعيد فوتي [ ( 1 ) ] ، ورزقت منه حظّا ، لأنّه كان يراني منكسرا مواظبا ، وكان يعيرني الأجزاء ، فأكتبها ، وألهم في آخر عمره القرآن فكان يقرأ كلّ يوم عشرين جزءا أو أكثر . وسمعت على أبي هاشم الدّوشابيّ ، وكان هرّاسا يربّي الحمام ، فقلت لرفيقي عبد اللَّه بن عمر : أريد أفاتحه في الطّيور عسى يلتفت علينا ، فنقرأ عليه هذين الجزءين فقال : لا تفعل . فقلت : لا بدّ من ذلك ، فقلت : يا سيّدي إن كان عندك من الطّيور الجياد تعطينا وتفيدنا ، فالتفت إليّ قال : يا بنيّ عندي الطّيرة الفلانية بنت الطّيرة الفلانية ، ولي قنص من فلان ، وانبسط ، فسمعنا عليه الجزءين ولم نعد إليه . وسمعنا على ابن صيلا ، وأبي شاكر السّقلاطونيّ ، وتجنّي ، وابن يلدرك ، ومنوجهر ، وابن شاتيل - وكان له ابن شيخ إذا جلسنا تبيّن كأنّه الأب ، وعمي على كبر ، وبقي سبعين يوما أعمى ، ثمّ بريء وعاد بصره - يعني الابن - فسألنا الشيخ عن السبب فذكر لنا : أنّه ذهب به إلى قبر الإمام أحمد وأنّه دعا وابتهل ، وقلت : يا أمام أحمد أسألك إلّا شفعت فيه إلى ربّك ، يا ربّ شفّعه في ولدي ، وولدي يؤمّن ، ثمّ مضينا . فلمّا كان اللّيل استيقظ وقد أبصر . ثمّ أخذنا في سماع الدّرس على ناصح الإسلام أبي الفتح [ ( 2 ) ] ، وكنت قليل الفهم لضيق
--> [ ( 1 ) ] يعني : ما فاته من السماع . [ ( 2 ) ] ابن المنّي الفقيه الحنبلي المشهور ، وسيسمّيه .